بقلم: أ. محمود محمد القشاش – باحث اقتصادي
دخل اقتصاد قطاع غزة بعد الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 أخطر مراحله التاريخية، حيث انتقل من حالة ركود مزمن إلى انهيار شبه كامل في الإنتاج وسوق العمل. ولم تقتصر آثار الحرب على تدمير البنية التحتية، بل امتدت لتصيب جوهر الاقتصاد الغزّي، ما أدى إلى شلل النشاط الاقتصادي وتعطّل مصادر الدخل لمعظم السكان.
تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة انكمش بأكثر من 80% خلال عام 2024 مقارنة بمستواه قبل الحرب، ليتراجع من متوسط سنوي قُدّر بنحو 3–3.5 مليار دولار إلى أقل من 500 مليون دولار. ونتيجة لذلك، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى أقل من 200 دولار سنويًا، وهو من أدنى المستويات عالميًا، ما يعكس حجم الصدمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تعرض لها القطاع.
غير أن الأثر الأشد للحرب تجلّى في سوق العمل. فقد ارتفع معدل البطالة من نحو 45–46% قبل الحرب إلى ما يقارب 80% من القوى العاملة خلال عام 2024، وفق تقارير منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. ويعني ذلك عمليًا أن أربعة من كل خمسة أشخاص قادرين على العمل باتوا بلا مصدر دخل، الأمر الذي فاقم من معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وحوّل البطالة إلى أزمة اجتماعية وإنسانية مركبة.
وقد طالت آثار الدمار معظم القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها القطاع الخدمي، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والزراعة، والصناعة الخفيفة. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الدمار الواسع للبنية التحتية، توقف المشاريع الإنتاجية، القيود المشددة على الحركة والتجارة، وفقدان رأس المال. ويمكن توصيف ما جرى بأنه تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية في قطاع غزة، أو ما يشبه “اغتيال الاقتصاد” بكل مكوّناته.
ورغم عمق الأزمة، تشير تجارب ما بعد الحروب إلى أن التعافي الاقتصادي ممكن إذا ما تم تبني سياسات واقعية تركز على الإنسان قبل الحجر. وفي هذا السياق، تبرز عدة مسارات عملية للتعافي في غزة، يأتي في مقدمتها دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر منح تشغيلية وقروض ميسّرة، باعتبارها الأسرع في خلق فرص العمل والأقل كلفة في بيئة شديدة القيود.
كما تُعد برامج “النقد مقابل العمل” من الأدوات الفعّالة لتشغيل الأيدي العاملة في إزالة الركام، وإعادة الإعمار، والخدمات المجتمعية، بما يوفّر دخلًا فوريًا للأسر ويعيد دمج العاطلين في الدورة الاقتصادية. وإلى جانب ذلك، يبرز الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد كمسار بديل، من خلال تدريب الشباب على المهارات الرقمية والعمل الحر، في ظل القيود الجغرافية والحصار المستمر.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك التوسع في الزراعة الحضرية وإعادة التدوير، بوصفهما أنشطة منخفضة التكلفة قادرة على خلق فرص عمل محلية وتعزيز الأمن الغذائي، خاصة في ظل محدودية الموارد وتراجع القدرة على الاستيراد.
وتدعم هذه المسارات تجارب دولية خرجت من حروب مدمّرة. فقد ركزت رواندا بعد حرب 1994 على المشاريع الصغيرة والتعاونيات الزراعية والحرفية، ما أسهم في خفض البطالة تدريجيًا وتحويل الزراعة من نمط البقاء إلى الإنتاج. واعتمدت البوسنة والهرسك بعد حرب التسعينيات على التدريب المهني السريع وربط التدريب بسوق العمل، مع إعادة تشغيل الورش والمصانع الصغيرة. أما لبنان بعد حرب 2006، فقد استخدم أدوات التمويل الصغير والدعم المباشر لإعادة فتح المحلات والمشاغل، ما أعاد الحركة الاقتصادية خلال فترة قصيرة. وفي نموذج أكثر شمولًا، استثمرت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في الإنسان والتعليم المهني قبل المباني، ما قاد إلى ما عُرف بـ”المعجزة الاقتصادية الألمانية”.
تُظهر هذه التجارب أن التعافي لا يبدأ من مشاريع ضخمة أو رؤوس أموال هائلة، بل من سياسات ذكية تستثمر في رأس المال البشري، وتحوّل البطالة من عبء إلى طاقة إنتاجية كامنة. وبالقياس على واقع غزة، فإن النهوض الاقتصادي الحقيقي لا يتطلب فقط ضخ أموال، بل يحتاج إلى إدارة فعّالة للأزمة، إشراك المجتمع المحلي في الحلول، وتحويل المساعدات من طابعها الإغاثي الاستهلاكي إلى أدوات تشغيل وإنتاج.
ختامًا، يمكن القول إن التشغيل يشكّل حجر الزاوية في أي مسار تعافٍ اقتصادي لقطاع غزة. فالتركيز على المشاريع الصغيرة، وبرامج التشغيل المؤقت، والاقتصاد الرقمي، والزراعة الحضرية، يمثل المسار الأكثر واقعية لتقليل البطالة، إعادة تحريك الاقتصاد، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي في ظل بيئة سياسية واقتصادية بالغة التعقيد. فإعمار الإنسان يظل دائمًا الخطوة الأولى في طريق إعمار المكان.