logo

تحليل غزة بعد الإبادة: حين تتحول الحلول المؤقتة إلى فخ دائم

17 يناير 2026 ، آخر تحديث: 17 يناير 2026
غزة بعد الإبادة: حين تتحول الحلول المؤقتة إلى فخ دائم
تحليل غزة بعد الإبادة: حين تتحول الحلول المؤقتة إلى فخ دائم

*غزة بعد الإبادة: حين تتحول الحلول المؤقتة إلى فخ دائم*

 

بقلم أ. مصطفى رضوان

*كاتب ومحلل اقتصادي*

 

يُحكى أن ملكًا كان يحكم قرية صغيرة آمنة، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وينعم أهلها بالاستقرار، حتى غزتها أفاعي “الكوبرا” فأفسدت حياتهم وسلبتهم أمنهم. وأمام ضغط الناس، أعلن الملك عن مكافأة مالية كبيرة لكل من يقتل أفعى ويأتي برأسها إلى الديوان. في البداية بدا القرار ناجحًا، وتكاثر الصيادون، لكن سرعان ما امتلأ الديوان بالرؤوس، وبدأت الأعداد تتجاوز كل تصور. وعندما تحرّى الملك السبب، اكتشف أن الناس أنشأوا مزارع لتربية الكوبرا، لا للقضاء عليها، بل للاتجار برؤوسها.

هنا وجد الملك نفسه في مأزق:

إن استمر بالدفع، استنزف موارد القرية، وإن ألغى القرار، أُطلقت الأفاعي في الطرقات، وعادت الكارثة مضاعفة. لقد وقع في فخ القرار المتسرّع، وأصبح أسير حلّ مؤقت لم يعالج أصل المشكلة، بل أعاد إنتاجها.

هذه القصة، المعروفة في الأدبيات الاقتصادية بـ“أثر الكوبرا”، ليست مجرد حكاية أخلاقية عن سوء الإدارة، بل مدخل لفهم ما نعيشه اليوم في قطاع غزة، حيث لم نعد أمام أزمات دورية أو اختناقات عابرة، بل أمام انهيار بنيوي شامل فرضته حرب إبادة، وحصار طويل، وتدمير ممنهج لكل مقومات الحياة.

القرار تحت الحصار: بين إدارة البقاء وغياب الأفق

في الحالة الغزّية، لا تُتخذ القرارات في بيئة طبيعية، ولا في ظل سيادة اقتصادية حقيقية. فصانع القرار يعمل داخل قفص من القيود: معابر مغلقة، اقتصاد منزوع السيولة، بنية إنتاجية مدمّرة، وسوق عمل شبه مشلول. لذلك، فإن كثيرًا من السياسات لا تُصاغ بوصفها خيارات تنموية، بل باعتبارها أدوات لإدارة البقاء.

غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في تحوّل المؤقت إلى دائم، والاضطراري إلى سياسة مستقرة، بحيث يصبح المجتمع بأكمله رهينة حلول إسعافية لا تُنقذ الجسد، بل تُبقيه معلقًا على أجهزة الإنعاش.

“كوبرا” الاقتصاد في غزة: أمثلة حيّة

من أبرز تجليات هذا المنطق ما شهدناه في برامج التشغيل المؤقت. صحيح أنها وفّرت دخلاً لشرائح واسعة في لحظات حرجة، لكنها لم تُبنَ ضمن رؤية لإعادة إنتاج العمل، ولا لإحياء دورة اقتصادية حقيقية. وبعد انتهاء التمويل، عاد المستفيدون إلى صفوف البطالة، لكن بأمل أقل، وموارد أكثر إنهاكًا.

اليوم، وبعد الإبادة، لم تعد المشكلة في أن البطالة مرتفعة، بل في أن سوق العمل نفسه انهار، وأن رأس المال البشري مهدد بالضياع. ومع ذلك، ما زالت كثير من التدخلات تُدار بالمنطق ذاته: رواتب قصيرة الأجل، مشاريع صغيرة معزولة، ومساعدات تُستهلك دون أن تُراكِم قدرة إنتاجية.

مثال آخر يتمثل في تصدير المنتجات الزراعية في أوقات الشحّ الداخلي. فبينما يحتاج المزارع إلى الدخل، يُترك المستهلك في مواجهة ارتفاع الأسعار وانعدام الوفرة. المشكلة هنا ليست في التصدير بحد ذاته، بل في غياب سياسة توازن بين الحق في الإنتاج والحق في الغذاء، وبين السوق الخارجي وسوق الناس المنهكين.

من يصنع “الكوبرا”؟

الأخطر في الحالة الغزّية أن “الكوبرا” لا تُربّى دائمًا بإرادتنا. فالاحتلال، بسياساته في التجويع، والتدمير، والتحكم في الموارد، هو المنتج الأكبر للأزمات، وهو من يفرض بيئة تجعل الحلول قصيرة الأمد شبه حتمية. ومع ذلك، فإن الاستسلام الكامل لهذا الواقع، أو التعامل معه دون حدٍّ أدنى من التفكير الاستراتيجي، يحوّل المجتمع من ضحية إلى شريك غير مقصود في إعادة إنتاج أزماته.

التفكير الاستراتيجي كفعل مقاومة

في غزة بعد الإبادة، لم يعد التفكير الاستراتيجي ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة وجودية. فالخطر الحقيقي ليس فقط في نقص المال أو الموارد، بل في اعتياد الحلول المؤقتة، والرضا بسياسات “الكوبرا” وكأنها قدر لا يُرد.

نحن بحاجة إلى:

سياسات تدمج الإغاثة بإعادة الإنتاج

مشاريع صغيرة لكنها متصلة بسوق حقيقي

قرارات تُقاس بقدرتها على حماية الكرامة، لا فقط بتخفيف الألم

ففي زمن الإبادة، تصبح التنمية—even بحدودها الدنيا—جزءًا من معركة الصمود، ويغدو الخروج من منطق “أجا يكحلها عماها” شرطًا للبقاء، لا مجرد حكمة شعبية تُقال بعد فوات الأوان.

تابعنا على فيس بوك 

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة الاقتصادي © 2026