logo

تحليل عملة رقمية لغزة: بين الإغاثة والهيمنة

25 فبراير 2026 ، آخر تحديث: 25 فبراير 2026
عملة رقمية لغزة: بين الإغاثة والهيمنة
تحليل عملة رقمية لغزة: بين الإغاثة والهيمنة

عملة رقمية لغزة: بين الإغاثة والهيمنة

بقلم/ مصطفى رضوان

كاتب ومختص اقتصادي

تداولت مصادر إعلامية مؤخرًا تصريحات منسوبة إلى Donald Trump حول نيته إنشاء عملة رقمية مستقرة للاستخدام في غزة. وحتى اللحظة، لم يُعلن عن إطار مؤسسي واضح أو مبادرة تنفيذية رسمية، ما يجعل الطرح أقرب إلى تصور سياسي مطروح في الإعلام منه إلى مشروع اقتصادي متكامل المعالم.

ورغم ذلك، فقد أثار الحديث موجة انتقادات حادة؛ بين من رآه مشروعًا سياسيًا بامتياز، ومن اعتبره مدخلًا جديدًا للهيمنة الاقتصادية.

*لكن في تقديري، الفكرة ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا. إنها أداة، وقيمة الأدوات تُقاس بطريقة تصميمها، وبالجهة التي تديرها، وبالغايات التي تُسخَّر لها*.

 

وبالنظر الى اقتصاد غزة الذي انهكته الحرب بحيث جعلته يبحث عن سيولة

في ظل:

* دمار واسع في البنية التحتية.

* تعطّل في سلاسل الإمداد.

* شحّ حاد في السيولة النقدية.

* تضخم مدفوع بالصدمات ونقص المعروض.

كما أن القيود المفروضة على حركة النقد الورقي، ومحدودية عمل الجهاز المصرفي، تجعل البدائل الرقمية خيارًا مطروحًا من حيث الكفاءة التشغيلية وسرعة التحويل.

في مثل هذا السياق، قد تبدو العملة الرقمية المستقرة – إذا كانت مربوطة بأصل ثابت كالدولار – وسيلة لتسهيل التحويلات، وتسريع وصول المساعدات، وتقليل تكاليف الوساطة البنكية. وإذا استُخدمت كأداة لتحويل الدعم مباشرة إلى الأسر، فقد تحدّ من الهدر والفساد، وتُحسّن الاستهداف الاجتماعي.

من هذه الزاوية، لا يمكن رفض الفكرة لمجرد مصدرها.

 

 *ويبقى السؤال الحقيقي: من يملك الزر؟*

غير أن جوهر القضية لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في الحوكمة.

فالعملة الرقمية ليست مجرد رمز إلكتروني، بل منظومة سيطرة محتملة.

الجهة التي تحتفظ بالاحتياطي، وتتحكم بالبنية التقنية، وتملك صلاحية التجميد أو التتبع، هي صاحبة النفوذ الفعلي.

ولسنا بحاجة إلى افتراضات نظرية بعيدة لندرك خطورة الأمر؛ فقد شهدنا خلال السنوات الماضية إغلاق حسابات لمؤسسات وأفراد فلسطينيين في بنوك محلية، بقرارات مفاجئة أو استجابة لضغوط خارجية، رغم أنها كيانات تعمل ضمن الإطار القانوني الفلسطيني.

فإذا كان هذا يحدث داخل نظام مصرفي تقليدي يُفترض أنه يعمل ضمن بيئة سيادية محلية نسبية، فكيف سيكون الحال في نظام رقمي تُدار مفاتيحه التقنية واحتياطياته القانونية من خارج السياق الفلسطيني؟

إن امتلاك “زر التجميد” أو “زر التعطيل” ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر السلطة النقدية. وإذا كان هذا الزر في يد طرف أمريكي أو إسرائيلي، فإن العملة قد تتحول – عند أي توتر سياسي – من أداة تسهيل إلى أداة حصار رقمي فوري.

حينها لا تكون العملة أداة إنعاش، بل أداة ضبط.

 

*بين التمكين والتبعية* 

 

غزة أصلًا لا تملك سيادة نقدية مستقلة، وتعتمد على الشيكل الإسرائيلي إلى جانب الدولار والدينار.

إدخال عملة رقمية جديدة قد يمنح فرصة لبناء بنية دفع حديثة، لكنه قد يخلق أيضًا نظامًا موازيًا يزيد من التشظي النقدي ويعمّق التبعية إذا لم تُصمَّم منظومته بحوكمة مستقلة.

لذلك، معيار التقييم ليس:

هل الفكرة أمريكية أم لا؟

بل:

هل تعزز قدرة الفلسطينيين على التحكم في مواردهم، أم تنقل مركز التحكم إلى الخارج؟

 

*شروط القبول المعقول*

 

إذا أُريد للعملة الرقمية أن تكون أداة إنقاذ حقيقية، فيجب أن تتوافر فيها شروط واضحة:

إدارة مستقلة أو متعددة الأطراف، لا خاضعة لقرار سياسي أحادي.

شفافية كاملة في الاحتياطيات والحوكمة.

حماية قانونية من التجميد التعسفي.

دور رقابي فلسطيني فاعل في تصميمها وتشغيلها.

اقتصار استخدامها – في مرحلتها الأولى – على المساعدات والتحويلات، دون إحلالها محل النظام النقدي القائم.

دون ذلك، تبقى المخاطر أعلى من المكاسب.

 

في النهاية، ليست المشكلة في العملة الرقمية ذاتها، بل في ميزان القوة الذي يقف خلفها. فالاقتصاد ليس أرقامًا فقط، بل سيادة أيضًا.

التقنية قد تُسهم في إعادة البناء… لكنها قد تعيد تشكيل من يملك قرار البناء.

 

تابعنا على فيس بوك 

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة الاقتصادي © 2026