✍️ بقلم: محمود القشاش
لم تنتهِ الحرب في قطاع غزة عند توقف القصف، بل بدأت آثارها الأعمق داخل الصفوف الدراسية المتهالكة، وبين دفاتر طلاب فقدوا الاستقرار قبل أن يفقدوا عامهم الدراسي. فالتعليم — الذي يُفترض أن يكون بوابة الخروج من الفقر — تحوّل إلى عبء اقتصادي ثقيل على الأسر، بعد أن تراجعت قدرة الجهات الرسمية إلى حد العجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية.
فمئات المدارس تعرضت للتدمير أو الضرر الجزئي، فيما خرجت أخرى عن الخدمة أو تحولت إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى اكتظاظ غير مسبوق داخل الصفوف وتقليص فعلي لعدد ساعات الدراسة. وفي مدارس كثيرة، بات الطالب يتلقى نصف المنهاج تقريبًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب، الأمر الذي يهدد بظهور فجوة معرفية قد تستمر لسنوات طويلة.
ولا يقتصر التراجع على الجانب الأكاديمي فقط؛ فالأطفال الذين عاشوا صدمات الحرب يعانون من اضطرابات نفسية تؤثر في قدرتهم على التركيز والتعلم. ومع غياب برامج الدعم النفسي الكافية، يصبح التعليم في بيئة ما بعد الحرب مهمة شبه مستحيلة، خصوصًا في المراحل الأساسية التي تشكّل حجر الأساس لأي مسار تعليمي لاحق.
في المقابل، تواجه الحكومة أزمة مالية عميقة نتيجة تراجع الإيرادات وتعطل النشاط الاقتصادي، ما انعكس مباشرة على التعليم عبر ضعف القدرة على إعادة إعمار المدارس أو صيانتها، ونقص الكتب والوسائل التعليمية، وتأخر أو انخفاض رواتب المعلمين. ومع محدودية الموارد، باتت الأولوية غالبًا لتسيير الحد الأدنى من الخدمات، لا لتطوير القطاع أو تحسين جودته.
هذا العجز نقل العبء الفعلي إلى الأسر، رغم أن معظمها يعيش أصلًا تحت ضغط الفقر أو البطالة. فالدروس الخصوصية لم تعد ترفًا بل ضرورة لتعويض ضعف التعليم المدرسي، والقرطاسية تمثل عبئًا متزايدًا في ظل ارتفاع الأسعار، فيما تشكّل المواصلات كلفة يومية مرهقة، خاصة للأسر التي نزحت إلى مناطق بعيدة عن مدارس أبنائها.
أما الأسر الأشد فقرًا، فتلجأ إلى خيارات قاسية، مثل تقليص سنوات التعليم، أو إرسال الأبناء إلى سوق العمل مبكرًا للمساهمة في دخل الأسرة، أو الاكتفاء بالحد الأدنى من التعليم. وهذا يعني عمليًا اتساع دائرة التسرب المدرسي، خصوصًا بين الذكور في سن المراهقة، وما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية واقتصادية على المدى البعيد.
ولا يبدو التعليم العالي بمنأى عن الأزمة. فارتفاع الرسوم الجامعية مقابل تراجع القدرة الشرائية يجعل الالتحاق بالجامعة قرارًا ماليًا صعبًا، بل محفوفًا بالمخاطر في ظل محدودية فرص العمل بعد التخرج. وكثير من الطلبة يؤجلون الدراسة أو ينقطعون عنها، فيما يفكر آخرون في الهجرة إن أتيحت الفرصة، ما يفتح الباب أمام نزيف العقول الذي تعانيه المجتمعات المنهكة.
إن استمرار هذا الواقع لا يعني فقط تراجع مستوى التعليم، بل تهديدًا مباشرًا لمستقبل التنمية. فغزة لا تمتلك موارد طبيعية كبيرة، ورأس مالها الحقيقي هو الإنسان. وإذا تدهورت جودة التعليم، فإن إنتاجية القوى العاملة ستنخفض، وستتسع دائرة الفقر والبطالة، وسيتزايد الاعتماد على المساعدات الخارجية، ما يضعف قدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء.
بمعنى آخر، أزمة التعليم اليوم هي أزمة الاقتصاد غدًا. فكل طالب يتسرب من المدرسة هو عامل أقل مهارة في المستقبل، وكل عام دراسي ضعيف هو خسارة تراكمية في رأس المال البشري. وعلى المدى الطويل، قد تكون كلفة هذا التراجع أعلى بكثير من كلفة إعادة إعمار المباني والبنية التحتية.
إن إنقاذ التعليم في غزة يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، تبدأ بإعادة تأهيل المدارس وتوفير بيئة تعليمية آمنة، مرورًا بدعم المعلمين ماديًا ومعنويًا لضمان استقرارهم، ووصولًا إلى برامج حماية اجتماعية تساعد الأسر على إبقاء أبنائها في التعليم. كما أن الاستثمار في التعليم الرقمي والحلول منخفضة التكلفة قد يشكّل مخرجًا جزئيًا في ظل محدودية الموارد.
وفي المحصلة، لم تعد أزمة التعليم في غزة مسألة تربوية فحسب، بل قضية بقاء اجتماعي واقتصادي وأمني. فجيلٌ أقل تعليمًا يعني مجتمعًا أكثر هشاشة، واقتصادًا أضعف، ومستقبلًا أكثر غموضًا. وإذا لم يُعالج هذا الملف بجدية وعلى وجه السرعة، فإن فاتورة الحرب الحقيقية لن تُدفع في إعادة الإعمار، بل في ضياع جيل كامل كان يمكن أن يكون ركيزة النهوض.
إن الاستثمار في التعليم اليوم ليس خيارًا تنمويًا فقط، بل ضرورة وجودية لضمان أن تمتلك غزة مستقبلًا قابلًا للحياة، لا مجرد قدرة على البقاء.