logo

هل سيظل الدولار قويا 6 أشهر أخرى؟

02 أكتوبر 2023 ، آخر تحديث: 02 أكتوبر 2023
هل سيظل الدولار قويا 6 أشهر أخرى؟
هل سيظل الدولار قويا 6 أشهر أخرى؟

أربك الدولار توقعات الأسواق، حين اعتقدت بداية العام الحالي 2023، أن العملة الأميركية ستضعف بحلول نهاية العام، لكن الاقتصاد الأكبر في العالم أظهر مرونة أكثر مما كان متوقعاً، مما غذى الشهية للأصول المالية الأميركية، وسيظل الدولار الأميركي قوياً على الأرجح طالما أن النمو في الولايات المتحدة والعائدات يتفوقان على بقية دول العالم، وفق ما خلص إليه تحليل حديث من بنك "لومبارد أودييه" السويسري، متوقعاً بقاء العملة الأميركية قوية أمام العملات الرئيسة الأخرى في الأقل لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وصل الدولار إلى أعلى مستوى له منذ عقدين مقابل سلة العملات الرئيسة الأخرى، وفي وقت سابق من هذا العام أشار عدد من المؤشرات الاقتصادية الأميركية، شملت تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي، إلى اعتدال التضخم وهبوط أسعار الطاقة إلى ذروة أسعار الفائدة وضعف الدولار، لكن مع قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة القياسي بدلاً من ذلك، توقع المستثمرون حدوث ركود في الولايات المتحدة، وانخفضت العملة الأميركية بالفعل ثم، ابتداء من منتصف يوليو (تموز) 2023، بدأت في الارتفاع.

وارتفع مؤشر الدولار الذي يقارن الدولار مقابل سلة من ست عملات بما في ذلك اليورو والجنيه الاسترليني والفرنك السويسري، بنسبة خمسة في المئة خلال الشهرين الماضيين، مقترباً من مستويات بداية عام 2023، وهو ما يعزوه البنك السويسري في مذكرته، إلى النمو الأفضل من المتوقع في الولايات المتحدة، بدعم من ارتفاع الأجور وقوة سوق العمل، مما سبب قدراً كبيراً من هذا الارتداد في حين استمرت احتمالات الركود الحاد في التراجع.

لكن سبباً آخر لا يقل أهمية، كان وراء قوة الدولار، إذ جاء النمو الاقتصادي في الصين عقب انتهاء سياسة "صفر كوفيد" المتشددة نهاية العام الماضي، مخيباً للآمال في ظل احتمالات ضئيلة لحصول الاقتصاد الثاني عالمياً على دعم سياسي كبير، في حين انزلقت ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، إلى الركود وسجلت فرنسا ناتجاً ربع سنوي إيجابياً بالكاد.

قوة وضعف الدولار الأميركي

وتقف هذه الأسباب وراء قوة الدولار الأميركي، كما يعتقد كل من رئيس قسم الأصول في البنك السويسري، كريستيان بويدي، ومحلل "الفوركس" كيران كوشيك، لكن الأكثر ترجيحاً بالنسبة لهما، بقاء هذه العوامل الداعمة للدولار خلال ما تبقى من العام الحالي، ويشيران إلى أن التاريخ شهد فترات ضعف للعملة الأميركية حين كان النمو العالمي صحياً، وحين تخلف النمو الاقتصادي الأميركي، وعلى العكس من ذلك، فإن الدولار يقوى عندما يتباطأ الاقتصاد العالمي أو عندما يتفوق الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك الشهية لأصوله المالية، على الاقتصادات الأخرى.
وحقق مجلس الاحتياطي الفيدرالي، انتصارات أسهل من أقرانه في مكافحة التضخم، كما يقول الباحثان، وكان الانخفاض في معدل التضخم الرئيس على مدى 15 شهراً من تسعة إلى خمسة في المئة مدعوماً إلى حد كبير بعودة سلاسل التوريد بعد الجائحة إلى طبيعتها، وانخفاض أسعار الطاقة، ويبدو أن البيانات الأميركية التي صدرت الأسبوع الماضي لشهر أغسطس (آب) تؤكد أنه على رغم استمرار ارتفاع الأسعار في التباطؤ، فإن الوتيرة بدأت تضعف.

لكن نظرة للتضخم الأساس في منطقة اليورو، تكشف عن أن المعدل يظل مرتفعاً بشكل مستمر، إذ ارتفعت الأسعار في أغسطس الماضي، 5.3 في المئة مقارنة بالعام السابق، ولم تتغير إلا قليلاً منذ أعلى مستوى في مارس (آذار) 2023 حين سجل 5.7 في المئة، واستجابة لذلك، قام البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة القياسي مرة أخرى، في الأسبوع الماضي، بمقدار 25 نقطة أساس إلى أربعة في المئة، مستشهداً بارتفاع أسعار الطاقة، ويوازن "المركزي الأوروبي" في قراره بين التضخم القوي والنشاط الاقتصادي الأضعف، مع تراكم الأدلة التي تشير إلى أن النمو يتراجع وأن الأسعار تنحدر ببطء.

ضعف أوروبي واضح

وفي الأشهر الأخيرة، تم تعويض الركود في ألمانيا من خلال النمو في الاقتصادات الأكثر توجهاً نحو الخدمات، بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا، إذ بدأت المؤشرات تشير إلى تباطؤ أوسع نطاقاً، مما جعل البنك المركزي الأوروبي يخفض توقعاته للتضخم الأساس، قائلاً إنه لن يقترب من هدفه البالغ اثنين في المئة قبل عام 2025.

أمام الضعف الأوروبي، يلفت الباحثان، إلى شهية المستثمرين للأصول المالية، وهي ما تفسر ارتفاع الطلب على الدولار من المستثمرين الأجانب مما عزز قوته، ومع تسجيل مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" مكاسب بنسبة 17 في المئة منذ بداية العام حتى سبتمبر (أيلول) الجاري، ارتفعت تدفقات رأس المال الدولية إلى الأسواق الأميركية بصافي 148 مليار دولار أميركي في يونيو (حزيران) الماضي، بعد تدفق صاف للخارج في مايو (أيار) قدره 162 مليار دولار، وفي المقابل، تضاءلت التدفقات الأجنبية إلى الأسهم الأوروبية، في حين بدأ المستثمرون الأوروبيون من ذوي الدخل الثابت في البحث عن عوائد أعلى في الخارج وتحديداً الولايات المتحدة، حيث ارتفعت العائدات الحقيقية، المعدلة وفقاً للتضخم، بسرعة أكبر في السوق الأميركية مقارنة بالديون السيادية المماثلة، والآن تبلغ عائدات السندات الحكومية الأميركية لـ10 سنوات 4.3 في المئة بالقيمة الاسمية، مقارنة بنحو 2.7 في المئة للسند الألماني المعادل، و3.2 في المئة لديون الحكومة الفرنسية.

وبينما أعاد المستثمرون تسعير توقعاتهم لذروة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة بشكل أعلى، فقد خفضوا توقعاتهم للمملكة المتحدة منذ يوليو الماضي، إذ يتوقع الباحثان، انخفاض الجنيه الاسترليني إلى مستوى 1.23 أمام الدولار، وقد يصل إلى 1.20 بحلول نهاية العام الحالي، ويعتقدان، أن أي تخفيض في توقعات النمو في المملكة المتحدة من شأنه أن يؤثر بشكل أكبر على الجنيه الاسترليني.

ضعف اليورو أمام الدولار

ومن المتوقع وفق مذكرة "لومبارد أودييه"، أن يضعف اليورو أمام الدولار الأميركي، ففي أعقاب إعلان البنك المركزي الأوروبي عن رفع سعر الفائدة قبل أيام، انخفض اليورو من 1.07 إلى 1.06 مقابل الدولار، ويتوقع للعملة الأوروبية الموحدة مزيد من التدهور مقابل العملة الأميركية وصولاً إلى نحو مستوى 1.04 في الأشهر الستة المقبلة، وفي شأن الفرنك السويسري، يعتقد البنك أنه سيتداول في نهاية عام 2023، قريباً من المستويات الحالية، عند نحو 0.96 لكل يورو، مع وجود أخطار وأن يتداول الفرنك عند 0.92 لكل دولار، من نحو 0.89 منتصف الشهر الجاري.

وفي الأسواق الناشئة، يبدو البنك السويسري، حذراً في شأن الرنمينبي الصيني، إذ ستظل السياسة النقدية متكيفة لدعم النمو الاقتصادي المتباطئ، بالتالي ستؤثر في العملة الصينية ومن ناحية أخرى، يعتقد أن العملات التي تقدم عوائد حقيقية أعلى من الأصول الأميركية، مثل الريال البرازيلي، ستظل مدعومة بشكل جيد.

مع ذلك، يميل محللا "لومبارد أودييه"، إلى أن الدولار الأميركي سيحظى بوزن أكبر أمام سلة العملات الرئيسة خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، ومع تسرب زيادات أسعار الفائدة التي أقرها بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى سوق العمل في الولايات المتحدة، وتباطؤ التضخم وزيادة فرص الهبوط الناعم، فقد يتسع التباين في النمو مع منطقة اليورو والصين إلى حد ما، وعلى رغم أنه لا يمكن إنكار أن قيمة الدولار مبالغ فيها من منظور طويل الأجل، فمن الواضح أن المستثمرين يبدون أكثر تركيزاً على النمو والفارق في العائدات.

 

أخبار ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة الاقتصادي © 2024