بقلم: أ. محمود محمد القشاش
باحث اقتصادي
لم يعد الارتفاع القياسي لأسعار الذهب حدثًا ماليًا عاديًا يمكن تفسيره بقواعد العرض والطلب فقط، بل أصبح موقفًا سياسيًا غير معلن من النظام النقدي العالمي القائم. فحين تتجه الدول والبنوك المركزية بكثافة نحو الذهب، فهي لا تبحث عن الربح فحسب، بل تعبّر عن تآكل الثقة بالدولار كأداة حيادية في الاقتصاد الدولي.
لقد تحوّل الدولار، خلال العقد الأخير، من عملة عالمية جامعة إلى أداة نفوذ سياسي. العقوبات، وتجميد الاحتياطيات، والتحكم بأنظمة الدفع الدولية، كلها ممارسات دفعت كثيرًا من الدول إلى إعادة التفكير في كلفة الارتهان للدولار. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل صعود الذهب عن تصاعد استخدام العملة الأمريكية كسلاح جيوسياسي.
الذهب هنا لا ينافس الدولار اقتصاديًا، بل يقاومه سياسيًا. فهو أصل لا يخضع لقرار فائدة، ولا يمكن مصادرته بقرار سيادي خارجي، ولا يُدار من بنك مركزي بعينه. ولذلك، فإن تزايد مشتريات الذهب من قِبل دول مثل الصين وروسيا ودول في الشرق الأوسط وآسيا، يعكس إدراكًا متناميًا بأن الاعتماد المطلق على الدولار لم يعد خيارًا آمنًا.
في المقابل، تعاني الولايات المتحدة من اختلالات بنيوية عميقة: ديون عامة متضخمة، عجز مالي مزمن، واستقطاب سياسي داخلي يهدد استقرار القرار الاقتصادي طويل الأجل. ورغم أن هذه العوامل لم تُسقط الدولار بعد، إلا أنها تنخر في أساس الثقة التي يقوم عليها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية وشيكة للدولار يبقى مبالغًا فيه. فالدولار لا يزال يتمتع بقوة مؤسساتية، وعمق مالي، وسيولة لا تضاهيها أي عملة أخرى. لكن ما يتغير اليوم هو طبيعة هذه القوة: من هيمنة مطلقة إلى هيمنة متنازع عليها.
إن العالم يتجه بوضوح نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب، لا يُلغى فيه الدولار، بل يُحاصر بدوائر موازنة: ذهب أقوى، عملات إقليمية في التبادلات الثنائية، ومحاولات بديلة لأنظمة التسوية الدولية. وفي هذا النظام، يصبح الذهب ليس بديلًا للدولار، بل حدًّا سياسيًا لنفوذه.
الخلاصة أن صعود الذهب هو رسالة سياسية قبل أن يكون إشارة اقتصادية. إنه تعبير صريح عن خوف الدول من عالم تُدار فيه العملة العالمية بمنطق القوة لا الشراكة.
فالذهب لا يُسقط الدولار، لكنه يكشف هشاشته حين تُفرط القوة في استخدامه.