.

سباق لفك رموز «أوميكرون» .. هل ينتظر العالم طويلا؟

سباق لفك رموز «أوميكرون» .. هل ينتظر العالم طويلا؟
سباق لفك رموز «أوميكرون» .. هل ينتظر العالم طويلا؟

"لقد اقشعر بدني"، هكذا يقول سيكوليلي مويو، مدير المختبر في شراكة معهد بوتسوانا وهارفارد للإيدز في جابورون. في 19 تشرين الثاني (نوفمبر)، لاحظ مويو "أنماطا معينة من الطفرات التي لم نرها من قبل" في أربع عينات من بين 95 مسحة إيجابية لكوفيد مختارة بشكل عشوائي لتسلسل الجينوم.
يضيف، "لقد رأينا أمرا غريبا للغاية". في حيرة من مجموعة الطفرات، قام بفحص الاختبارات مرتين وثلاث مرات لمعرفة مدى التلوث وللتأكد من أنها احتوت على أكثر من 95 في المائة من الشفرة الوراثية الفيروسية – وهي معيار التسلسل الجيد.
كان العلماء في جنوب إفريقيا وهونج كونج محتارين أيضا من مجموعة محيرة من التغيرات الجينية المكتشفة في مختبراتهم – أكثر بكثير من أي متحور سابق لسارس – كوف - 2.
بعد تنبيه وزير الصحة في بوتسوانا في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، حمل مويو بينات بشأن المتحور إلى جيسايد Gisaid، المستودع العالمي للجينات الفيروسية. يقول، "نحن حقا لم نتخيل وقع التأثير. رأينا اليوم التالي أن جنوب إفريقيا قد رأت الشيء نفسه وهونج كونج كذلك. تحدثنا وأدركنا "..." أن هذه الطفرات كانت في فئة خاصة بها".
في حينها، بدأ علماء الأوبئة في جنوب إفريقيا يقلقون من الارتفاع السريع في حالات الإصابة بفيروس كوفيد في مقاطعة جوتنج، بما في ذلك جوهانسبرج وبريتوريا. لقد ربطوا على الفور هذه الزيادة المفاجئة بظهور متحور جديد شديد التحور، أطلق عليه العلماء اسم B.1.1.529، ثم أطلقت عليه منظمة الصحة العالمية اسم "أوميكرون".
يصف جيرمي كميل، عالم فيروسات يدرس تطور سارس – كوف - 2 في جامعة ولاية لويزيانا هيلث شريفبورت، صدمته حين تم الإعلان عن الجينوم الخاصة به. يقول، "كان الأمر مثل العودة إلى المنزل من إجازة ورؤية أن شخصا ما لم يزرع فقط بعض الأزهار في حديقتك. بل أعاد تشكيل المشهد بأكمله".
تتدافع المختبرات حول العالم للإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية، هل "أوميكرون" أكثر قابلية للانتقال من المتغيرات السابقة؟ هل يمكنه التهرب من المناعة التي تمنحها الإصابة أو تلقي اللقاح السابق لسارس – كوف - 2؟ وهل يسبب مرضا أكثر حدة؟
يقول بيتر أوبنشو، أستاذ الطب في إمبريال كوليدج لندن، إن الأدلة الأولية تشير إلى أن الإجابة عن السؤالين الأولين هي "نعم، لكن لا أحد يعلم إلى أي درجة". على الرغم من أنه يبدو أن "أوميكرون" ينتقل بسرعة أكبر من المتحورات السابقة في جنوب إفريقيا، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان قادرا على التفوق على "دلتا" في أنحاء العالم.
بالنسبة للأعراض، يقول أوبنشو، "لا توجد معلومات كافية حول مدى خطورة أوميكرون. افتراضي هو أنه يجب علينا التعامل مع الأمر في الوقت الحالي كما لو كان في درجة خطورة دلتا نفسها".
استجاب العالم الطبي والعلمي لأخبار B.1.1.529 بسرعة أكبر بكثير من أي متحور سابق لفيروس كورونا. بعد ثلاثة أيام فقط من علمها بوجوده، في 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، صنفته منظمة الصحة العالمية على أنه متحور مقلق – الخامس بعد ألفا وبيتا وجاما ودلتا.
على الرغم من أن العلماء يعملون على "أوميكرون" منذ ظهوره، إلا أن الجمهور وصناع القرار بحاجة ماسة للحصول على معلومات – ما قد يؤدي إلى الإفراط في تفسير الأدلة السردية ومقاطع صغيرة من البيانات.
يقول ران باليسر، رئيس اللجنة الاستشارية الوطنية الإسرائيلية لكوفيد، إنه "ليس لديه أدنى فكرة" عن مصدر التقديرات المبكرة لفاعلية لقاح كوفيد، التي نشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية أخيرا. يضيف، "سنسمع في الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين (...) كثيرا من الآراء وأجزاء متباينة من البيانات واستنتاجات إضافية من قبل كثير من الناس (...) وأود أن أقترح على الجميع الانتظار".
يقول بول هانتر، أستاذ الطب في جامعة إيست أنجليا، إن الأدلة المبكرة على فاعلية اللقاح ضد "أوميكرون" ستظهر خلال أيام من "اختبارات تحييد الفيروس. بشكل أساسي تقوم بزراعة الفيروس في مزرعة الأنسجة ثم ترى ما إذا كان بإمكانك منعه من النمو بدم من الأشخاص الذين تلقوا اللقاح".
في الوقت نفسه، سيبحث علماء الأوبئة عن أدلة من خلال مقارنة بدلات العدوى والأمراض الخطيرة التي يسببها "أوميكرون" في الأشخاص الذين تلقوا اللقاح وغير الملقحين من الفئة العمرية نفسها والمجموعة السكانية نفسها. وتتوقع وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة نشر النتائج الأولية في وقت قريب جدا.
جاءت إشارة سيئة من دراسة نشرها علماء من جنوب إفريقيا، تظهر أن "أوميكرون" كان أكثر احتمالا من "دلتا" لإعادة إصابة الأشخاص الذين أصيبوا في وقت سابق بالمتحور بيتا. وخلصوا إلى أن "ميزة أوميكرون مدفوعة جزئيا على الأقل بالقدرة المتزايدة على إصابة الأفراد الذين أصيبوا في السابق". "لم تتم مراجعة هذا البحث من قبل الأقران".
أثناء انتظار بيانات مؤكدة، أصدر مطورو اللقاحات آراء مستنيرة – بتركيز مختلف. قالت شركة موديرنا: إن "أوميكرون" سيسبب انخفاضا "جوهريا" في فاعلية اللقاح، بينما أشارت جامعة أكسفورد وشركة بيونتيك إلى أن اللقاحات يمكن أن تستمر في العمل بشكل جيد ضد الأمراض الشديدة.
نفت منظمة الصحة العالمية مثل هذه التصريحات جملة وتفصيلا. تقول سمية سواميناثان، كبيرة العلماء في المنظمة، "سيكون من السابق لأوانه استخلاص أي استنتاجات حول فاعلية اللقاحات ضد أوميكرون".
تضيف أن البحث قد "يستغرق عدة أسابيع. نحن بحاجة إلى التحلي بالصبر" أثناء انتظارنا "دراسات الفاعلية السريرية لنفهم حقا ما إذا كان هذا المتحور قادرا على التغلب على المناعة الناتجة عن اللقاحات الموجودة".
الأجسام المضادة ضد الطفرات
يعتمد جهاز المناعة البشري على كل من الأجسام المضادة "جزيئات البروتين" والخلايا التائية "خلايا الدم البيضاء" لمحاربة العدوى. بالنظر إلى مجموعة طفرات "أوميكرون" الواسعة – ما يقارب 50 طفرة في المجمل، بما في ذلك أكثر من 30 في بروتين سبايك الذي يرتبط بالخلايا البشرية – "فإن الرهانات على أن هذا سيكون مقاوما تماما من حيث الأجسام المضادة، لكننا لا نعلم حتى الآن مقدار إضعاف مناعة الخلية التائية للمرض أو تقصيرها"، كما يقول أوبنشو.
تقول بيني مور، عالمة فيروسات في جامعة ويتووترسراند في جوهانسبرج، "أعتقد أن هناك سببا وجيها للاعتقاد بأن مناعة الخلية التائية ستستمر في الصمود. تستهدف الخلايا التائية مناطق أكثر بكثير على السبايك من الأجسام المضادة – بينما يمكن للطفرات أن تقضي على الأجسام المضادة بسهولة أكبر".
تظهر أحدث البيانات، أن اللقاحات المعززة تعزز الحماية المناعية بشكل كبير ضد متحورات كوفيد الأخرى لدى الأشخاص الذين تلقوا جرعتي اللقاح بالفعل. ويتوقع العلماء أن تفعل الشيء نفسه مع "أوميكرون"، ما دفع الدول الغربية الغنية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى تقديم جرعات ثالثة لجميع البالغين. لكن مسؤولي منظمة الصحة العالمية يقولون: إن الأولوية يجب أن تكون لتلقيح الجميع في العالم، بدلا من إعطاء المعززات للشباب الأصحاء في الدول الغنية.
من بين الأدوية المصممة لعلاج كوفيد، تستخدم فئة واحدة أجساما مضادة تستهدف أهدافا محددة من الفيروس. ويتوقع العلماء أن تفقد علاجات الأجسام المضادة التي تصنعها ريجينيرون وإيلي ليلي فعاليتها عند مواجهة "أوميكرون" لأن هدفها – بروتين سبايك – قد تغير، لكن الاختبارات المبكرة تشير إلى أن الجسم المضاد سوتروفيماب الخاص بشركة جلاكسو سميث كلاين "جي إس كيه" سيكون أكثر قدرة على التعامل مع المتحور الجديد.
اختارت شركة جي إس كيه وشريكتها فير بيو تكنولوجي بناء سوتروفيماب على جسم مضاد مأخوذ من أحد الناجين من تفشي فيروس سارس في عام 2003، الذي تسبب فيه فيروس سارس – كوف - 1، لأنهم اعتقدوا أنه إذا كان بإمكانه معالجة كلا فيروسي كورونا، فمن المرجح أن يكون فعالا ضد المتحورات المستقبلية.
تقول أماندا بيبركورن، رائدة تطوير الأدوية في برنامج كوفيد للأجسام المضادة التابع لشركة جي إس كيه، "ما تبحث عنه هو جزء من الفيروس لا يتغير كثيرا في الأنواع الفرعية". تستهدف معظم علاجات الأجسام المضادة منطقة في الجزء العلوي من بروتين سبايك، بالقرب من مكان ارتباطه بمستقبلات أنجيوتنسين – 2، ACE2 البشرية لدخول الخلية، لكن عقار جي إس كيه يعلق في جانب السبايك.
من المتوقع أن يعمل نوع آخر من الأدوية – الأقراص المضادة للفيروسات التي تصنعها شركة فايزر وميرك الأمريكية – بشكل جيد ضد "أوميكرون" لأنها، وعلى عكس الأجسام المضادة، هذه العلاجات تعطل الإنزيمات التي تحتاج جميع فيروسات كورونا إلى تكرارها.
عندما يتعلق الأمر بنقل العدوى، فإن السرعة التي تتزايد بها حالات كوفيد في جنوب إفريقيا – أسرع من الموجات الثلاث الأولى التي تسببها سلالة سارس – كوف - 2 الأصلية وبيتا ودلتا – تشير إلى أن "أوميكرون" هو بالفعل أكثر عدوى من المتحورات الأخرى. أكدت البلاد وجود أكثر من 11500 حالة جديدة في يوم واحد، في زيادة حادة عن مئات الإصابات اليومية التي تم تسجيلها قبل أسابيع فقط. وتؤكد الاختبارات أن "أوميكرون" يقود الموجة الرابعة لجنوب إفريقيا.
في أماكن أخرى من العالم، تتزايد تقارير "أوميكرون" بسرعة. معظم الحالات حتى الآن لها تاريخ من السفر إلى جنوب إفريقيا، على الرغم من وجود انتقال مجتمعي وأسري أيضا. تشير النمذجة الرياضية بوساطة المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، بناء على تقديرات مؤقتة للغاية، إلى أن "أوميكرون" سيكون مسؤولا عن أكثر من نصف جميع إصابات سارس – كوف - 2 في أوروبا خلال الأشهر القليلة المقبلة.
كانت التقارير الأولية الواردة من جنوب إفريقيا حول شدة المرض مشجعة إلى حد ما، إذ أظهرت الأغلبية العظمى من الحالات أعراضا قليلة أو معدومة. لكن وزارة الصحة في البلاد قالت في إيجاز صحافي: إن حالات دخول المستشفى تتزايد بسرعة في جوتنج، مع "ارتفاع حاد بشكل خاص" في إدخال الأطفال دون سن الخامسة.
التأثير النفسي لعدم المعرفة
يعتقد بعض الخبراء، أن انتظار مزيد من المعلومات عن المتحور أوميكرون هو بحد ذاته له تأثير نفسي، الأمر الذي يضاعف من ضغوط الـ20 شهرا الماضية.
تقول كيت سويني، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، إن عدم اليقين يمثل تحديا نفسيا في جميع الظروف تقريبا. "إذا فكرت في كيف أصبح البشر على ما نحن عليه، فإن عدم معرفة ما سيأتي في المستقبل يشكل خطرا على البقاء، لذلك من المنطقي أننا سنكون قد طورنا نفورا من تلك الحالة لذلك سيكون لدينا الدافع لحل حالة عدم اليقين كلما أمكن ذلك".
تضيف أن الضغط من هذا النوع من القلق قد يؤثر في الصحة من خلال "المراحل العالية من القلق والاكتئاب، إضافة إلى اضطراب النوم، والسلوك الأقل صحة، والتأثير العام في صحتنا الجسدية".
بول دولان، أستاذ العلوم السلوكية في كلية لندن للاقتصاد، يتفق مع هذا، "حقيقة أننا نواصل جذب انتباهنا إلى كوفيد والمتحورات الجديدة – وثبات كل عدم اليقين المحيط به – لا بد أن تكون سلبية وضارة بالنسبة لنا من الناحية الفسيولوجية والنفسية".
لكن هانتر يحث الناس على عدم الوقوع في مزاج قاتم بشكل مفرط، على الرغم من كل الأشياء المجهولة. يقول، "معظم الأشخاص الموثوق بهم ممن يفهمون علم الفيروسات يقولون: إن "أوميكرون" لن يجلب المعركة الفاصلة. سيتفاجأ معظمنا جدا إذا أصبح كوفيد سيئا تقريبا كما كان في كانون الثاني (يناير) الماضي. ما زلت أعتقد أننا عشنا أسوأ شهور هذه الجائحة".

اقرأ أيضا